عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

376

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 4 إلى 11 ] وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 4 ) أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ( 5 ) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ( 6 ) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ ( 7 ) أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ( 11 ) قوله : « وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ » أي من أن ، ففيها الخلاف المشهور . « وَقالَ الْكافِرُونَ » من باب وضع الظاهر موضع المضمر شهادة عليهم بهذا الوصف القبيح « 1 » . فصل [ في معنى الآية : « وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ » ] لما حكى عن الكفار في كونهم في عزّة وشقاق أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال : « وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ » وفي قوله : « منهم » وجهان : الأول : أنهم قالوا : إن محمدا مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختصّ من بيننا بهذا المنصب العالي ؟ ! . والثاني : أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم ( لأنهم « 2 » جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل ) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيدا عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله . ونظيره قوله : أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [ المؤمنون : 69 ] « وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ » مبالغة في « عجب » كقولهم : رجل طوال « 3 » ، وأمر سراع ، هما أبلغ من طويل وسريع « 4 » ، وقرأ عليّ والسّلمي وعيسى وابن مقسم : عجّاب « 5 » بتشديد الجيم . وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكرام بالتخفيف وكرّام بالتشديد .

--> ( 1 ) معنى كلام الزمخشري في الكشاف 3 / 359 ، 360 . ( 2 ) ما بين القوسين كله قد سقط من ب . ( 3 ) ومن هنا سمي النحوي المعروف بالطوال فتلك صفة ولقب . ( 4 ) قاله أبو عبيدة في المجاز 2 / 176 ، 177 وابن قتيبة في الغريب 376 والفراء في المعاني 2 / 398 والزجاج في المعاني 4 / 321 . ( 5 ) أجيزت لغويا من الزجاج والفراء في المرجعين السابقين وهي من الشواذ وقد نقلها الكشاف 3 / 360 وابن جني في المحتسب 2 / 230 وابن خالويه في المختصر 129 .